لا أعرف كيف يستطيع الشخص الشعور بالرضا عن النفس و هو يستمع لمصطلحات من نوع "تنظيم فوضوي" فالكلمتان لا يستسيغان بعضهما البعض فضلاً عن عدم مقدرتهما على التوافق و الجوار في جملة واحدة!!
الغريب في الأمر أن معرفتنا بهذا الثنائي المثير للشفقة تنبع من خطابات شبه سلطوية .. تتحدث عن جماعات شديدة التنظيم و ذات قدرات لا محدودة مدعومة من جهات خارجية -غالباً أمريكية صهيونية- تخطط لنشر الفوضى في المجتمع المصري بغرض تنفيذ أجندة "الفوضى الخلاقة"
في الأصل كثيرون يربطون مصطلح "الفوضى الخلاقة" بـ كونداليزا رايس وزيرة خارجية في إدارة بوش الإبن و جزء من أيدولوجية اليمين الأمريكي المرتبط بالصهيونية العالمية .
و مع ذلك تجد أن كلمة "الفوضويون" السابق ذكرهم هي ترجمة معيبة للــ "الأناركيين" و هم مجموعات تنظر لنظرية الحكم المجتمعي الذاتي و الترجمة الأصح للأناركية "الاسلطوية"
الغريب أن الفوضى أول من تحدث عنها لم يكن أياً منهما بل سبقهما الفيلسوف الإيطالي "نيكولا ميكافيللي" و هو بنظرياته النفعية قد يكون همزة الوصل الوحيدة بين كلمتي "الفوضى" و "السلطة" و كانت نظرياته تتحدث عن كيفية إستغلال الصراعات الطبقية في المجتمعات لقمع الإرادة الشعبية "الغاية تبرر الوسيلة"
و كتاب ( الأمير ) لميكافيللي أحد أهم الكتب المنظره لمرحلة النهضة الحديثة في أوروبا و أشاد به "جان جاك روسو" و وصفه بالعبقرية
....
ذكر ميكافيللي فيه نصاً [الشجاعة تُنتج السلم والسلم يُنتج الراحة والراحة يتبعها فوضى والفوضى تؤدي إلى الخراب ومن الفوضى ينشأ النظام والنظام يقود إلى الشجاعة .]
الأفكار النفعية الميكافيلية عشقها الطغاة أيضاً فكان هتلر لا ينام قبل قراءة جزء من كتب الفيلسوف الإيطالي و كذلك قرأها موسليني .
و رأينا تطبيقها بأعيننا في ممارسات النظام البائد و هم من إستحدثوا "بلطجية الحزب الوطني" للسيطرة على الإنتخابات و نراها بممارسات المجلس العسكري الحالي في حلق حالة "المواطنون الشرفاء" .. و كل هذة التطبيقات تدور في خلق حالة من الفوضى المحدودة يكون طرفيها من طبقات الشعب المهمشة هذة الحالة تخدم مصالح السلطة الحاكمة عن طريق ترويع المجتمع ككل من أي فكرة للحراك و التفاعل تجاة المطالب الشعبية.
كل ما سبق كان مختصر تعريفي لمفهوم "الفوضى الخلاقة" و أميل لتسميته "إصطناع الفوضى المحدودة" و هي آداة تستخدمها السلطة لقمع الإحتجاجات الشعبية ... و هي بكل ما فيها بعيدة كل البعد عن الأفكار الاسلطوية التي أراها الترجمة الحقيقية للفكر "الأناركي"
كتير ما يحدث خلط ما بين الأناركية و التيار اليساري .. على الرغم من إن الأناركيين أول ما تمردو تمردوا على الفكر الأممي لماركس.
الأناركية فكر رأي أن نضال العمال بالطريقة اليسارية يمكن النخب من التلاعب به -بالطريقة الميكافيلية- بالقمع أو بالتفريق بين المجموعات ليتحول لوسيلة إصلاحية محدودة. يعرف الأناركيين أنفسهم إنهم : مرحلة ما بعد اليسار و إن نظريتهم هي الأصلح لمرحلة ما بعد البنيوية.
و يلقي هاجس التحرر و الإستقلال التام في أدبيات الفكر الأناركي للتفكير في حكم المجموعات الذاتي بحيث تتضافر جهود المجموعه لتحقيق الرغبات المتبادلة.
و على غير ما يشاع عن أن الأناركية هي دعوة فوضوية .. فهي تميل للأيدولوجية التعاونيات و السيادة فيها ليست للفرد الحر و إنما للمجموعه بشكل ما.
يميل الفكر الأناركي للنقد أكثر من ميله للطرح ..فهو ينقد فكر السلطة , تابوهات الأخلاق , الهوية , قوانين العمل : و نقد الفكر الأناركي لقوانين العمل أحياناً تزداد حدته ليصل إلى رفض العمل في منظومة الإنتاج و الإستهلاك و يرى إنه مصدر البؤس _بوب الأسود "أحد أهم منظري الفكر الأناركي"
الغريب إن الحيادية في تناول أطروحات الفكر الأناركي يجعلنا نراها في مجتمعاتنا و لكن بدون إستخدام المسمى فـ أي مجموعه تُغَلبْ العُرفْ على القانون ... البدو و عائلات الصعيد و الكثير من التعاملات حتى بين المواطنين العاديين أحياناً تكون أناركية بإمتياز .. و غالباً الدافع عدم الثقة في القانون.
أحداث كالتي حدثت في قرية العامرية التي تنتهي بأن أحكام القانون و تنفيذها يراها البعض قد تأجج نيران الخلاف و أن الإحتكام للأعراف السائدة و للمؤتمنين من كبار أهل الناحية أو القبيلة هو فكر لاسلطوي لا يعترف بسيادة و لا يحترم قانون لأنه ببساطة يراها جائرة و لا ترقى للحدث!!
رد فعل جماعة كبيرة مثل "الإخوان المسلمين" عن الدعوات المطالبة لهم في الإلتزام بقوانين المجتمع المدني سواء تنظيمياً في كيان جمعية أهلية أو ما شابه .. هو رفض تلك القيود السلطوية التي تراها قاصره و فاسدة و لا تصلح لإحتواء أفكار الجماعة الدعوية الشاملة .
ضغط رجل الأمن نفسه "المطلوب منه إقرار الأمن و حماية المجتمع" على الخصمين سواء المعتدي أو المعتدى عليه للتصالح و إلا قام بتحرير محضر و إحالتهما معاً للقضاء للحسم بينهما مع التنبيه على المعتدى عليه أن هذا لن يكون في صالحه .. هي صورة من أقصى درجات الاسلطوية و التي لربما فاقت أقصى نظريات الأناركيين تطرفاً
ببساطة أراها "جمهورية مصر الأناركية" و كلنا في إنتظار مرحلة بناء الدولة التي لم نعرفها و لا نسمع عنها غير في بيانات حكومية مضلله!!
أتمناها دولة حقيقية تعطي السلطة كاملة للشعب هو من يقرر وحده الجهة المخول لها ممارسة سلطاتها عن طريق قانون لا يميز بين المواطنين .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق